“Mar Saba”; a prayer in the soul’s wilderness
دير مار سابا ... صلاة في براري الروح
Back to English version
إقرأ باللغة الأصلية

Although we had not planned to visit Mar Saba’s monastery, we decided to make good use of our rented car, and visit one more location before heading to Hebron. I was with Cedric from France, and Qais from Nablus. This place seemed like a mysterious façade to me, as I did not know a lot about it; just a strange, attractive mixture of letters that conveys a lot of holiness and solitude, and it is so aptly named.

As the vast desert began to engulf us, we knew that we were getting close. This carefully created space is pure to the eye, mysterious to the touch, and cannot be properly captured through the lens of a camera; it must be experienced. We decided to stop the car, and get out to meditate in this silence and on this snake-like road that stretches as far as the eye can see, overlooked by the purest sky I have ever seen.

© Cédric Dolanc

After taking many pictures, we continued to our destination with a deeper thirst to discover this faraway site and the people who live there. Its first features started to be clear from very far away, and its relaxing vibes made me feel as if this is the first time I am ever sure about anything! Up close, the monastery has a very high-rise, simultaneously ancient and modern, it emanates an energy that is undefeated by time, unspoiled by the passing of the centuries. The site was guarded by two local kids, who told us firmly -in a military-like fashion- that the monastery cannot be visited today, as commanded by the priests praying inside. Thus, we could only document this site from outside. Carrying our disappointment, we started climbing down some stairs next to the building that lead to a nearby valley. A big portion of the monastery’s main yard and building became easy to see, it was all very monumental, the architecture, yards, vaults, crosses, and flowers dangling from the windows and porches. I felt an urge to jump over and enter the monastery, against all rules; and then stay there away from everything else. I believed that life there is suitable for anyone who wanted to be away from our daily tribulations and futile endeavors. The closer we got to the pit of the valley, the deeper our awe; I was so excited, I was the first to arrive. Everything suddenly became crystal clear. Except for the tweets of birds flying over me, and the sound of a river running by, the silence was absolute. It was strange to be next to a running river, glimmering like a piece of heaven in the desert. The river was surrounded by green, and there was a little bridge that the priests used to cross over. There were also several man-made caves, dark, silent, nothing to be sensed except endless darkness and very low, strange sounds. My two companions were also clearly overtaken by the same amazement, bewildered by this beauty. After having explored the space around, we started our journey back to the main exterior yard of the monastery, where our car was parked. The car was surrounded by local kids, full of energy, almost like an opposite, mirroring image of the site. At first, they didn’t want their picture taken, but one of the guard-boys talked them into letting us snap a few pictures. On our way back, I wondered if there ever was a place as fascinating as Mar Saba.

By Omar Zeyadeh

لم يكن ضمن مخططاتي خلال هذا المشروع زيارة دير مار سابا .. لكن وبدافع استغلال السيارة التي استأجرتها برفقة " سيدريكْ" صديقي من فرنسا .. و"قيس" من نابلس .. قررنا الذهاب إلى مار سابا أولاً ثم الرجوع إلى الخليل ... لم أكن أمتلك لسوء الحظ كمية كافية من المعلومات عن هذا المكان .. وإنما كان كوجهةٍ مبهمة .. الاسم وحده هو ما جذبني في البداية .. ذلك الخليط الغريب من الحروف الذي يوحي لكَ بالقدسية والعزلة معاً. وهو اسم على مسمّى حقا. 

وفي الطريق إليهِ .. كانت أولى الإشارات إلى الدير .. هو الصحراء المحيطة به .. ذلك الفراغ المخلوق بعناية.. نقيٌّ حين تنظر إليه ... غامضٌ حين تلمسه .. ليس بإمكان أي كاميرا منحه حيزاً  .. عليك أن تكونه فقط .. ولذا أوقفنا السيارة هناك .. ووقفنا نتأمل الأفق ... بلا أي كلمةٍ ... الهدوء حولنا .. 
الطريق التي تأخذ شكلاً لولبياً مستمرّاً على مد البصر ... والسماء التي تبدو أكثر صفاءً من أي وقتٍ آخر.

© Cédric Dolanc
وبعد أن التقطنا العديد من الصور ... مضينا إلى وجهتنا .. مشتاقين أكثر لنرى ذلك الدير الذي يسكن هذا الخلاء .. وأيّ فكرةٍ خلفه .. وأيّ أناس هم أولئك الساعين وراء خلوته ... ومن بعيد .. بدأت تظهر أولى ملامحه .. مشيراً إلينا بالاقترابِ أكثر ... وهناك بدأت أيضاً أولى موجات الراحة في قلبي .. وشعرت لأول مرة ربما بأني أقول بالعمل الصحيح تماماً.
حتى وصلت إليه .. وحين نزلنا من السيارة وتأملناه عن قرب .. كان شاهقاً قديماً وجديداً في الوقت ذاته .. شيء لم يهزمه الوقت .. ولم تفسده الأيام ..  وكان هناك صبيٌّ محليٌّ من تلك المنطقة يحرسه ... وقد استفسرنا عن إمكانية الدخول إليه ... وهنا كانت الخيبة الأولى ... "الرهبان في الصلاة الآن .. ولا يسمح لأحد بدخوله اليوم." هكذا رد بحزمٍ .. كأنه يتلو بياناً عسكرياً. ولم يكن لدينا خيارات كثيرة .. كان علينا أن نرى كلّ شيء يتعلق بالدير .. أن نحس به ونتفسه .. ونكتب عنه لكن من الخارج.

وبهذه الخيبة التي نحلمها داخلنا .. بدأنا نمشي على درج مجاور للدير .. يقودنا إلى وادٍ قريب ... وبينما كنا ننزل الدرج .. اتضح لنا جزء كبير من ساحة الدير الرئيسية .. وحزء لا بأس به  من أبنيته ... شيء هائل فعلاً .. المعمار .. الساحات .. القباب .. الصلبان .. الورود على الشبابيك والشرفات ... 

كلّ ذلك جعلني أرغب جدا وبلا حدود بشيئين معاً : الأول هو أن أقفز عن ذلك السور الذي يحيط به ضدّ كل القوانين  وأدخل إليه .. وثانياً هو أن أعيش فيه بعيداً كلّ شيء .. نعم .. أظن ان الحياة هناك .. هي التجربة الحقيقية لكلّ من يحب أن يعرف كيف تكون الحياة بلا تكلف ولا ديكورات فارغة. لكن كلّ تلك رغبات .. والواقع يقول لك .. ليس أمامك سوى هذه المساحة المسموح لكَ بالتجول فيها ... وليس أكثر من ذلك ... ولم تكن هذه المساحة سيئة على الإطلاق .. بل كلّما دنوناً أكثر إلى الوادي .. يغمرنا إحساس بالرهبة ... والجمال . وبهذا الدافع كنت أول الواصلين  إلى تلك النقطة التي يصبح فيها كلّ شيء واضحاً أمامك كالكف .. يا إلهي !!
 ذلك الهدوء الذي لا يقطعه سوى خفقان أجنحةِ الطيور المحلّقة .. وصدى خافتٌ لأجراس تقرع بعذوبة... وهناك في عمق الوادي المتوهّج .. كان كلّ شيء خصباً وأخضر ..كأنما اختار الربيعُ له مملكةً خاصة ضد كل تلك الصحراء حوله.

وفي ذات المكان الذي وقفتُ فيه مراقبا الشالَ الملونَ اليانعَ الذي يلفّ عنقَ الجبل .. كانت هناك كهوف عديدة .. واضحاً أنها حفرت بيدٍ بشرية .. وكانت مظلمة وهادئة ... وخيل لي أن هناك راهباً واحداً يسكن كلّ كهفٍ منها ... وقد وهب حياته للرب .. فلا يخرج من معتكفه أبداً ...  وقد ساقني الفضول إلى النظر في إحدى تلك الكهوف ... فتسلقت تلة قريبة منه ... ونظرت إلى الداخل فلم يكن هناك سوى العتمة المطلقة .. وأصوات خفيضة مبهمة... وفي تلك اللحظة وصل صديقاي الآخران .. واستولت عليهما نفس الدهشة ... التي بدت في كلامهما .. ونظراتهما التي لا يسعها استعياب هذا الجمال.

وبعد أن تجولنا في مناطق ومواقع متعددة من المكان ... ومشينا قريبين من السور .. وعدنا إلى الساحة الخارجية .. حيث ركنّا سيارتنا .. وجدناها وقد امتلأت بالأطفال والصبية المحليين .. وقد كانوا أكثر نشاطاً وفكاهة من أي صبية قابلناهم على طول الطريق .. كأنهم مرايا حقيقية لذلك المكان ... في البداية رفضوا أخذ صور معنا .. ولكن عاد الصبيّ المكلف بحراسة الدير .. ليبرز في المشهد .. ويتساءل في نبرة أقرب إلى الأمر ... " ما المانع ... لنأخذ الصور .. فهي لن تقتلنا ... هل لدى أحدكم حساسية من الكاميرا ..؟!"  وبعد ذلك .. صعدنا إلى السيارة .. ومضينا صاعدين الطريق كله إلى بيت لحم ... وكنت أفكر ...  هل هناك مكان آخر أو مدينة أخرى يمكن أن تدهشني اليوم أكثر من دير مار سابا ...؟!


بقلم عمرزياده